فصل: تفسير الآية رقم (1)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً‏}‏ أي أبعد ظهور ما بينهما من التباين البين يتوهم كون المؤمن الذي حكيت أوصافه الفاضلة كالفاسق الذي ذكرت أحواله القبيحة العاطلة، وأصل الفسق الخروج من فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها ثم استعمل في الخروج عن الطاعة وأحكام الشرع مطلقاً فهو أعم من الكفر وقد يخص به كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 55‏]‏ وكما هنا لمقابلته بالمؤمن مع ما ستسمعه بعد إن شاء الله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَّ يَسْتَوُونَ‏}‏ التصريح به مع إفادة الإنكار لنفي المشابهة بالمرة على أبلغ وجه وآكده لزيادة التأكيد وبناء التفصيل الآتي عليه، والجمع باعتبار معنى من كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها، وقيل‏:‏ الضمير لاثنين وهما المؤمن والكافر والتثنية جمع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏أَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ جنات المأوى‏}‏ تفصيل لمراتب الفريقين بعد نفي استوائهما وقيل‏:‏ بعد ذكر أحوالهما في الدنيا، وأضيفت الجنان إلى المأوى لأنها المأوى والمسكن الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنه لا محالة، وقيل‏:‏ المأوى علم لمكان مخصوص من الجنان كعدن، وقيل‏:‏ جنة المأوى لما روي عن ابن عباس، أنها تأوي إليها أرواح الشهداء، وروي أنها عن يمين العرش ولا يخفى ما في جعله علماً من البعد وأياً ما كان فلا يبعد أن يكون فيه رمز إلى ما ذكر من تجافيهم عن مضاجعهم التي هي مأواهم في الدنيا‏.‏

وقرأ طلحة ‏{‏جَنَّةُ المأوى‏}‏ بالأفراد ‏{‏نُزُلاً‏}‏ أي ثواباً وهو في الأرض ما يعد للنازل من الطعام والشراب والصلة ثم عم كل عطاء، وانتصابه على أنه حال من ‏{‏جنات‏}‏ والعامل فيه الظرف، وجوز أن يكون جمع نازل فيكون حالاً من ضمير ‏{‏الذين كَفَرُواْ‏}‏ وقرأ أبو حيوة ‏{‏نُزُلاً‏}‏ بإسكان الزاي كما في قوله‏:‏

وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا *** جعلنا القنا والمرهفات له نزلاً

‏{‏بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ أي بسبب الذي كانوا يعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة على أن ما موصولة والعائد محذوف والباء سببية، وكون ذلك سبباً بمقتضى فضله تعالى ووعده عز وجل فلا ينافي حديث «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله» ويجوز أن تكون الباء للمقابلة والمعاوضة كعلى في نحو بعتك الدار على ألف درهم أي فلهم ذلك على الذي كانوا يعملونه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ‏}‏ أي خرجوا عن الطاعة فكفروا وارتكبوا المعاصي ‏{‏فَمَأْوَاهُمُ‏}‏ أي فمسكنهم ومحلهم ‏{‏النار‏}‏ وذكر بعضهم أن المأوى صار متعارفاً فيما يكون ملجأ للشخص ومستراحاً يستريح إليه من الحر والبرد ونحوها فإذا أريد هنا يكون في الكلام استعارة تهكمية كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 1 2‏]‏، وجوز أن يكون استعمال ذلك من باب المشاكلة لأنه لما ذكر في أحد القسمين فلهم جنات المأوى ذكر في الآخر ‏{‏فَمَأْوَاهُمُ النار‏}‏ ‏{‏كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ‏}‏ استئناف لبيان كيفية كون النار مأواهم والكلام على حد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 77‏]‏ على ما قيل، والمعنى كلما شارفوا الخروج منها وقربوا منه أعيدوا فيها ودفعوا إلى قعرها، فقد روي أنهم يضربهم لهب النار فيرتفعون إلى أعلاها حتى إذا قربوا من بابها وأرادوا أن يخرجوا منها يضربهم اللهب فيهوون إلى قعرها وهكذا يفعل بهم أبداً، وقيل‏:‏ الكلام على ظاهره إلا أن فيه حذفاً أي كلما أرادوا أن يخرجوا منها فخرجوا من معظمها أعيدوا فيها، ويشير إلى أن الخروج من معظمها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِيهَا‏}‏ دون إليها، أن يكون الكلام هنا عبارة عن خلودهم فيها، وأياً ما كان لا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 167‏]‏ ‏{‏وَقِيلَ لَهُمْ‏}‏ تشديداً عليهم وزيادة في غيظهم‏.‏

‏{‏ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ‏}‏ أي بعذاب النار ‏{‏تُكَذّبُونَ‏}‏ على الاستمرار في الدنيا وأظهرت النار مع تقدمها قبل لزيادة التهديد والتخويف وتعظيم الأمر، وذكر ابن الحاجب في أماليه وجهاً آخر للإظهار وهو أن الجملة الواقعة بعد القول حكاية لما يقال لهم يوم القيامة عند إرادتهم الخروج من النار فلا يناسب ذلك وضع الضمير إذ ليس القول حينئذٍ مقدماً عليه ذكر النار وإنما ذكرها سبحانه قبل إخباراً عن أحوالهم، ونظر فيه الطيبي عليه الرحمة بأن هذا القول داخل أيضاً في حيز الإخبار لعطفه على ‏{‏أُعِيدُواْ‏}‏ الواقع جواباً لكلما فكما جاز الإضمار في المعطوف عليه جاز فيه أيضاً إن لم يقصد زيادة التهديد والتخويف‏.‏

ورد بأن المانع أنه حكاية لما يقال لهم يوم القيامة والأصل في الحكاية أن تكون على وفق المحكي عنه دون تغيير ولا إضمار في المحكي لعدم تقدم ذكر النار فيه‏.‏ وتعقب بأنه قد يناقش فيه بأن مراده أنه يجوز رعاية المحكي والحكاية وكما أن الأصل رعاية المحكي الأصل الإضمار إذا تقدم الذكر فلا بد من مرجح‏.‏

وقال بعض المحققين‏:‏ أراد ابن الحاجب أن الإظهار هو المناسب في هذه الجملة نظراً إلى ذاتها ونظراً إلى سياقها أما الأول‏:‏ فلأنها تقال من غير تقدم ذكر النار، وأما الثاني‏:‏ فلأن سياق الآية للتهديد والتخويف وتعظيم الأمر وفي الإظهار جائز وأنه رجح الإظهار اقتضاء السياق لذلك‏.‏

ونقل عن الراغب ما يدل على أن المقام في هذه الآية مقام الضمير حيث ذكر عنه أنه قال في «درة التنزيل»‏:‏ إنه تعالى قال ههنا ‏{‏ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ‏}‏ وقال سبحانه في آية أخرى‏:‏ ‏{‏عَذَابَ النار التى كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 2 4‏]‏ فذكر جل وعلا ههنا وأنث سبحانه هناك والسر في ذلك أن النار ههنا وقعت موقع الضمير والضمير لا يوصف فأجرى الوصف على العذاب المضاف إليها وهو مذكر وفي تلك الآية لم يجر ذكر النار في سياقها فلم تقع النار موقع الضمير فأجرى الوصف عليها وهي مؤنثة دون العذاب فتأمل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنَ العذاب الادنى‏}‏ أي الأقرب، وقيل‏:‏ الأقل وهو عذاب الدنيا فإنه أقرب من عذاب الآخرة وأقل منه، واختلف في المراد به فروى النسائي‏.‏ وجماعة وصححه الحاكم عن ابن مسعود أنه سنون أصابتهم، وروي ذلك عن النخعي‏.‏ ومقاتل، وروى الطبراني‏.‏ وآخرون وصححه والحاكم عن ابن مسعود أيضاً أنه ما أصابهم يوم بدر‏.‏ وروي نحوه عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما بلفظ هو القتل بالسيف نحو يوم بدر، وعن مجاهد القتل والجوع‏.‏

وأخرج مسلم‏.‏ وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند»‏.‏ وأبو عوانة في صحيحه، وغيرهم عن أبي بن كعب أنه قال‏:‏ هو مصائب الدنيا والروم والبطشة والدخان، وفي لفظ مسلم أو الدخان‏.‏

وأخرج ابن المنذر‏.‏ وابن جرير‏.‏ عن ابن عباس أنه قال‏:‏ هو مصائب الدنيا وأسقامها وبلاياها، وفي رواية عنه‏.‏ وعن الضحاك‏.‏ وابن زيد بلفظ مصائب الدنيا في الأنفس والأموال، وفي معناه ما أخرج ابن مردويه عن أبي إدريس الخولاني قال‏:‏ سألت عبادة بن الصامت عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَنُذِيقَنَّهُمْ‏}‏ الآية فقال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ هي المصائب والأسقام والآصار عذاب للمسرف في الدنيا دون عذاب الآخرة قلت‏:‏ يا رسول الله فما هي لنا‏؟‏ قال‏:‏ زكاة وطهور، وفي رواية عن ابن عباس أنه الحدود‏.‏

وأخرج هنا عن أبي عبيدة أنه فسره بعذاب القبر، وحكي عن مجاهد أيضاً ‏{‏دُونَ العذاب الاكبر‏}‏ هو عذاب يوم القيامة كما روي عن ابن مسعود‏.‏ وغيره، وقال‏:‏ ابن عطية لا خلاف في أنه ذلك، وفي التحرير إن أكثرهم على أن العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة في النار، وقيل‏:‏ هو القتل والسبي والأسر، وعن جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما أنه خروج المهدي بالسيف انتهى، وعليهما يفسر العذاب الأدنى بالسنين أو الأسقام أو نحو ذلك مما يكون أدنى مما ذكر، وعن بعض أهل البيت تفسيره بالدابة والدجال، والمعول عليه ما عليه الأكثر‏.‏

وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة ‏{‏الاكبر‏}‏ أو الأبعد في مقابلة ‏{‏الادنى‏}‏ لأن المقصود هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر وبالكبر لا بالبعد، قاله النيسابوري ملخصاً له من كلام الإمام، وكذا أبو حيان إلا أنه قال‏:‏ إن الأدنى يتضمن الأصغر لأنه منقض بموت المعذب والأكبر يتضمن الأبعد لأنه واقع في الآخرة فحصلت المقابلة من حيث التضمن وصرح بما هو آكد في التخويف ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ أي لعل من بقي منهم يتوب قاله ابن مسعود، وقال الزمخشري‏:‏ أو لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فارجعنا نَعْمَلْ صالحا‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 2 1‏]‏ وسميت إرادة الرجوع رجوعاً كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله تعالى‏:‏

‏{‏يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وجوهكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏ ويدل عليه قراءة من قرأ ‏{‏يَرْجِعُونَ‏}‏ على البناء للمفعول انتهى‏.‏

وهو على ما حكي عن مجاهد وروي عن أبي عبيدة فيتعلق ‏{‏لَعَلَّهُمْ‏}‏ الخ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنَ العذاب الادنى‏}‏ ‏(‏السجدة؛ 12‏)‏ كما في الأول إلا أن الرجوع هنالك التوبة وههنا الرجوع إلى الدنيا ويكون من باب ‏{‏فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 8‏]‏ أو يكون الترجي راجعاً إليهم، ووجه دلالة القراءة المذكورة عليه أنه لا يصح الحمل فيها على التوبة، والظاهر التفسير المأثور، والقراءة لا تأباه لجواز أن يكون المعنى عليها لعلهم يرجعهم ذلك العذاب عن الكفر إلى الإيمان، و‏{‏لَعَلَّ‏}‏ لترجي المخاطبين كما فسرها بذلك سيبويه، وعن ابن عباس تفسيرها هنا بكى وكأن المراد كي نعرضهم بذلك للتوبة، وجعلها الزمخشري لترجيه سبحانه ولاستحالة حقيقة ذلك منه عز وجل حمله على إرادته تعالى، وأورد على ذلك سؤالاً أجاب عنه على مذهبه في الاعتزال فلا تلتفت إليه، هذا والآيات من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً‏}‏ ‏(‏السجدة؛ 18‏)‏‏}‏ إلى هنا نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه‏.‏ والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه لأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أخرج أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني‏.‏ والواحدي‏.‏ وابن عدي‏.‏ وابن مردويه‏.‏ والخطيب‏.‏ وابن عساكر من طرق عن ابن عباس قال‏:‏ قال الوليد بن عقبة لعلي كرم الله تعالى وجهه أنا أحد منك سناناً وأبسط منك لساناً واملأ للكتيبة منك فقال علي رضي الله تعالى عنه‏:‏ اسكت فإنما أنت فاسق فنزلت ‏{‏أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً‏}‏ الخ‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي نحو ذلك، وأخرج هذا أيضاً عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنها نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه‏.‏ والوليد بن عقبة ولم يذكر ما جرى، وفي رواية أخرى عنه أنها نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه‏.‏ ورجل من قريش ولم يسمه، وفي «الكشاف» روى في نزولها أنه شجر بين علي رضي الله تعالى عنه‏.‏ والوليد بن عقبة يوم بدر كلام فقال له الوليد‏:‏ اسكت فإنك صبي أنا أشب منك شباباً وأجلد منك جلداً وأذرب منك لساناً وأحد منك سناناً وأشجع منك جناباً وأملأ منك حشواً في الكتيبة فقال له علي كرم الله تعالى وجهه‏:‏ اسكت فإنك فاسق فنزلت، ولم نره بهذا اللفظ مسنداً، وقال الخفاجي‏:‏ قال ابن حجر إنه غلط فاحش فإن الوليد لم يكن يوم بدر رجلاً بل كان طفلاً لا يتصور منه حضور بدر وصدور ما ذكر‏.‏

ونقل الجلال السيوطي عن الشيخ ولي الدين هو غير مستقيم فإن الوليد يصغر عن ذلك ‏{‏وأقول‏:‏‏}‏ بعض الأخبار تقتضي أنه لم يكن مولوداً يوم بدر أو كان صغيراً جداً، أخرج أبو داود في السنن من طريق ثابت بن الحجاج عن أبي موسى عبد الله الهمداني عنه أنه قال‏:‏ لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيمسح على رؤوسهم فأتى بي إليه عليه الصلاة والسلام وأنا مخلق فلم يمسني من أجل الخلوق إلا أن ابن عبد البر قال‏:‏ إن أبا موسى مجهول، وأيضاً ذكر الزبير‏.‏

وغيره من أهل العلم بالسير أن أم كلثوم بنت عقبة لما خرجت مهاجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الهدنة سنة سبع خرج أخواها الوليد وعمارة ليرداها، وهو ظاهر في أنه لم يكن صبياً يوم الفتح إذ من يكون كذلك كيف يكون ممن خرج ليرد أخته قبل الفتح، وبعض الأخبار تقتضي أنه كان رجلاً يوم بدر، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في كتابه الإصابة أنه قدم في فداء ابن عم أبيه الحرث بن أبي وجرة بن أبي عمرو بن أمية وكان أسر يوم بدر فافتداه بأربعة آلاف وقال‏:‏ حكاه أهل المغازي ولم يتعقبه بشيء، وسوق كلامه ظاهر في ارتضائه ووجه اقتضائه ذلك أن ما تعاطاه من أفعال الرجال دون الصبيان، وهذا الذي ذكرناه عن ابن حجر يخالف ما ذكره عنه الخفاجي عليه الرحمة مما مر آنفاً، ولا ينبغي أن يقال‏:‏ يجوز أن يكون صغيراً ذلك اليوم صغراً يمكن معه عادة الحضور فحضر وجرى ما جرى لأن وصفه بالفسق بمعنى الكفر والوعيد عليه بما سمعت في الآيات مع كونه دون البلوغ مما لا يكاد يذهب إليه إلا من يلتزم أن التكليف بالإيمان إذ ذاك كان مشروطاً بالتمييز، ولا أن يقال‏:‏ يجوز أن تكون هذه القصة بعد إسلامه وقد أطلق عليه فاسق وهو مسلم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 6‏]‏ فقد قال ابن عبد البر‏:‏ لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن أنها نزلت فيه حيث أنه صلى الله عليه وسلم بعثه مصدقاً إلى بني المصطلق فعاد وأخبر أنهم ارتدوا ومنعوا الصدقة ولم يكن الأمر كذلك لأن الفسق ههنا بمعنى الكفر وهناك ليس كذلك، ثم اعلم أن القول بأنها نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه‏.‏ والوليد لكلام جرى يوم بدر يقتضي أنها مدنية والمختار عند بعضهم خلافه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا‏}‏ بيان إجمالي لمن قابل آيات الله تعالى بالإعراض بعد بيان حال من قابلها بالسجود والتسبيح والتحميد، وكلمة ‏{‏ثُمَّ‏}‏ لاستبعاد الإعراض عنها عقلاً مع غاية وضوحها وإرشادها إلى سعادة الدارين كما في قول جعفر بن علية الحارثي‏:‏

ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة *** يرى غمرات الموت ثم يزورها

والمراد أن ذلك أظلم من كل ظالم ‏{‏إِنَّا مِنَ المجرمين‏}‏ قيل‏:‏ أي من كل من اتصف بالإجرام وكسب الأمور المذمومة وإن لم يكن بهذه المثابة ‏{‏مُنتَقِمُونَ‏}‏ فكيف ممن هو أظلم ممن هو أظلم من كل ظالم وأشد جرماً من كل جازم، ففي الجملة إثبات الانتقام منه بطريق برهاني‏.‏

وجوز أن يراد بالمجرم المعرض المذكور وقد أقيم المظهر مقام المضمر الراجع إلى ‏{‏مِنْ‏}‏ باعتبار معناها وكان الأصل أنا منهم منتقمون ليؤذن بأن علة الانتقام ارتكاب هذا المعرض مثل هذا الجرم العظيم‏:‏ وفسر البغوي المجرمين هنا بالمشركين‏.‏ وقال الطيبي عليه الرحمة بعد حكايته‏:‏ ولا ارتياب أن الكلام في ذم المعرضين وهذا الأسلوب أذم لأنه يقرر أن الكافر إذا وصف بالظلم والإجرام حمل على نهاية كفره وغاية تمرده ولأن هذه الآية كالخاتمة لأحوال المكذبين القائلين‏:‏ ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ افتراه‏}‏ والتخلص إلى قصة الكليم مسلاة لقلب الحبيب عليهما الصلاة والسلام إلى آخر ما ذكره فليراجع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب‏}‏ أي جنس الكتاب ‏{‏فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ‏}‏ أي شك8 وقرأ الحسن ‏{‏مِرْيَةٍ‏}‏ بضم الميم ‏{‏مّن لّقَائِهِ‏}‏ أي لقائك ذلك الجنس على أن لقاء مصدر مضاف إلى المفعول وفاعله محذوف وهو ضمير النبي صلى الله عليه وسلم والضمير المذكور للكتاب المراد به الجنس وإيتاء ذلك الجنس باعتبار إيتاء التوراة ولقاؤه باعتبار لقاء القرآن، وهكذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 6‏]‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 3 1‏]‏ وحمل بعضهم ‏{‏الكتاب‏}‏ على العهد أي الكتاب المعهود وهو التوراة ولما لم يصح عود الضمير إليه ظاهراً لأنه عليه الصلاة والسلام لم يلق عين ذلك الكتاب قيل‏:‏ الكلام على تقدير مضاف أي لقاء مثله أو على الاستخدام أو أن الضمير راجع إلى القرآن المفهوم منه، ولا يخفى ما في كل من البعد، والمعنى أنا آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب ولقيناه من الوحي مثل ما لقيناك من الوحي فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ونظيره، وخلاصة ما تؤذن به الفاء التفريعية ان معرفتك بأن موسى عليه السلام أوتي التوراة ينبغي أن تكون سبباً لإزالة الريب عنك في أمر كتابك؛ ونهيه عليه الصلاة والسلام عن أن يكون في شك المقصود منه نهى أمته صلى الله عليه وسلم والتعريض بمن اتصف بذلك، وقيل‏:‏ المصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف هو ضميره عليه الصلاة والسلام أي من لقائه إياك ووصوله إليك، وفي التعبير باللقاء دون الإيتاء من تعظيم شأنه صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى على المتدبر، وقد يقال‏:‏ إن التعبير به على الوجه السابق مؤذن بالتعظيم أيضاً لكن من حيثية أخرى فتدبر‏.‏

وقيل‏:‏ الكتاب التوراة وضمير ‏{‏لّقَائِهِ‏}‏ عائد إليه من غير تقدير مضاف ولا ارتكاب استخدام، ولقاء مصدر مضاف إلى مفعوله وفاعله موسى أي من لقاء موسى الكتاب أو مضاف إلى فاعله ومفعوله موسى أي من لقاء الكتاب موسى ووصوله إليه، فالفاء مثلها في قوله‏:‏

ليس الجمال بمئزر *** فاعلم وان رديت برداً

دخلت على الجملة المعترضة بدل الواو اهتماماً بشأنها، وعن الحسن أن ضمير ‏{‏لّقَائِهِ‏}‏ عائد على ما تضمنه الكلام من الشدة والمحنة التي لقي موسى عليه السلام فكأنه قيل‏:‏ ولقد آتينا موسى هذا العبء الذي أنت بسبيله فلا تمتر أنك تلقى ما لقى هو من الشدة والمحنة بالناس، والجملة اعتراضية ولا يخفى بعده، وأبعد منه بمراحل ما قيل‏:‏ الضمير لملك الموت الذي تقدم ذكره والجملة اعتراضية أيضاً، بل ينبغي أن يجل كلام الله تعالى عن مثل هذا التخريج‏.‏

وأخرج الطبراني‏.‏ وابن مردويه‏.‏ والضياء في المختارة بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال في الآية‏:‏ أي من لقاء موسى‏.‏ وأخرج ابن المنذر‏.‏ وغيره عن مجاهد نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية أنه قال كذلك فقيل له‏:‏ أو لقي عليه الصلاة والسلام‏؟‏ قال‏:‏ نعم ألا ترى إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 5 4‏]‏ وأراد بذلك لقاءه صلى الله عليه وسلم إياه ليلة الإسراء كما ذكر في الصحيحين‏.‏ وغيرهما، وروي نحو ذلك عن قتادة‏.‏ وجماعة من السلف، وقاله المبردحين امتحن الزجاج بهذه الآية، وكأن المراد من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تكن في مرية من لقائه» على هذا وعده تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بلقاء موسى وتكون الآية نازلة قبل الإسراء، والجملة اعتراضية بالفاء بدل الواو كما سمعت آنفاً‏.‏

وجعلها مفرعة على ما قبلها غير ظاهر، وبهذا اعترض بعضهم على هذا التفسير، وبالفرار إلى الاعراض سلامة من الاعتراض وكأنى بك ترجحه على التفسير الأول من بعض الجهات والله تعالى الموفق ‏{‏وَجَعَلْنَاهُ‏}‏ أي الكتاب الذي آتيناه موسى، وقال قتادة‏.‏ أي وجعلنا موسى عليه السلام ‏{‏هُدًى‏}‏ أي هادياً من الضلال ‏{‏لّبَنِى إسراءيل‏}‏ خصوا بالذكر لما أنهم أكثر المنتفعين به، وقيل‏:‏ لأنه لم يتعبد بما في كتابه عليه الصلاة والسلام ولد اسماعيل صلى الله عليه وسلم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً‏}‏ قال قتادة‏:‏ رؤساء في الخير سوى الأنبياء عليهم السلام، وقيل‏:‏ هم الأنبياء الذين كانوا في بني إسرائيل ‏{‏يَهْدُونَ‏}‏ بقيتهم بما في تضاعيف الكتاب من الحكم والأحكام إلى طريق الحق أو يهدونهم إلى ما فيه من دين الله تعالى وشرائعه عز وجل ‏{‏بِأَمْرِنَا‏}‏ إياهم بأن يهدوا على أن الأمر واحد الأوامر، وهذا على القول بأنهم أنبياء ظاهر، وأما على القول بأنهم ليسوا بأنبياء فيجوز أن يكون أمره تعالى إياهم بذلك على حد أمر علماء هذه الأمة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير وَيَأْمُرُونَ بالمعروف‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 4 10‏]‏ الآية‏.‏

وجوز أن يكون الأمر واحد الأمور والمراد يهدون بتوفيقنا ‏{‏لَمَّا صَبَرُواْ‏}‏ قال قتادة‏:‏ على ترك الدنيا؛ وجوز غيره أن يكون المراد لما صبروا على مشاق الطاهر ومقاساة الشدائد في نصرة الدين، و‏{‏لَّمّاً‏}‏ يحتمل أن تكون هي التي فيها معنى الجزاء نحو لما أكرمتني أكرمتك أي لما صبروا جعلنا أئمة، ويحتمل على تكون هي التي بمعنى الحين الخالية عن معنى الجزاء، والظاهر أنه حينئذ ظرف لجعلنا أي جعلناهم أئمة حين صبروا، وجوز أبو البقاء كونها ظرفاً ليهدون‏.‏

وقرأ عبد الله‏.‏ وطلحة‏.‏ والأعمش‏.‏ وحمزة‏.‏ والكسائي‏.‏ ورويس ‏{‏لَّمّاً‏}‏ بكسر اللام وتخفيف الميم على أن اللام للتعليل وما مصدرية أي لصبرهم وهو متعلق بجعلنا أو بيهدون‏.‏ وقرأ عبد الله أيضاً ‏{‏بِمَا‏}‏ بالباء السببية وما المصدرية أي بسبب صبرهم ‏{‏وَكَانُواْ باياتنا‏}‏ التي في تضاعيف الكتاب، وقيل‏:‏ المراد بها ما يعم الآيات التكوينية، والجار متعلق بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُوقِنُونَ‏}‏ أي كانوا يوقنون بها لا معانهم فيها النظر لا بغيرها من الأمور الباطلة، وهو تعريض بكفرة أهل مكة، والجملة معطوفة على ‏{‏صَبَرُواْ‏}‏ فتكون داخلة في حيز ‏{‏لَّمّاً‏}‏ وجوز أن تكون معطوفة على ‏{‏جَعَلْنَا‏}‏ وأن تكون في موضع الحال من ضمير ‏{‏صَبَرُواْ‏}‏‏.‏

والمراد كذلك لنجعلن الكتاب الذي آتيناكه أو لنجعلنك هدى لأمتك ولنجعلن منهم أئمة بهدون مثل تلك الهداية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏25‏]‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏25‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ‏}‏ أي يقضى ‏{‏بَيْنَهُمْ‏}‏ قيل‏:‏ بين الأنبياء عليهم السلام وأممهم، وقيل‏:‏ بين المؤمنين والمشركين ‏{‏يَوْمُ القيامة‏}‏ فيميز سبحانه بين المحق والمبطل ‏{‏فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏ من أمور الدين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏26‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ‏}‏ الهمزة للإنكار والواو للعطف على منوى يقتضيه المقام ويناسب المعطوف معنى على ما اختاره غير واحد، وفعل الهداية إما من قبيل فلان يعطى في أن المراد إيقاع نفس الفعل بلا ملاحظة المفعول، وإما بمعنى التبيين والمفعول محذوف والفاعل ضمير عائد إلى ما في الذهن ويفسره قوله تعالى‏:‏

‏{‏كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مّنَ القرون‏}‏ وكم في محل نصب باهلكنا أي أغفلوا ولم يفعل الهداية لهم أو ولم يبين لهم مآل أمرهم أو طريق الحق كثرة من أهلكنا أو كثرة اهلاك من أهلكنا من القرون الماضية مثل عاد‏.‏ وثمود‏.‏ وقوم لوط، ولا يجوز أن تكون ‏{‏كَمْ‏}‏ فاعلا لصدارتها كما نص على ذلك الزجاج حاكياً له عن البصريين، وقال الفراء‏:‏ كم في موضع رفع بيهد كأنك قلت‏:‏ أو لم يهد لهم القرون الهالكة فيتعظوا ولا أن يكون محذوفاً لأن الفاعل لا يحذف إلا في مواضع مخصوصة ليس هذا منها ولا مضمراً عائداً إلى ما بعد لأنه يلزم عود الضمير إلى متأخر لفظاً ورتبة في غير محل جوازه، ولا الجملة نفسها لأنها لا تقع فاعلاً على الصحيح إلا إذا قصد لفظها نحو تعصم لا إله إلا الله الدماء والأموال، وجوز أن يكون الفاعل ضميره تعالى شأنه لسبق ذكره سبحانه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ‏}‏ الخ وأيد بقراءة زيد ‏{‏عَرَّفَهَا لَهُمْ‏}‏ بنون العظمة، قال الخفاجي‏:‏ والفعل بكم عن المفعول وهو مضمون الجملة لتضمنه معنى العلم فلا تغفل‏.‏

‏{‏يَمْشُونَ فِى مساكنهم‏}‏ أي يمرون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم ويشاهدون آثار هلاكهم، والجملة حال من ضمير ‏{‏لَهُمْ‏}‏، وقيل‏:‏ من ‏{‏القرون‏}‏، والمعنى أهلكناهم حال غفلتهم، وقيل‏:‏ مستأنفة بيان لوجه هدايتهم‏.‏

وقرأ ابن السميقع ‏{‏يَمْشُونَ‏}‏ بالتشديد على أنه تفعيل من المشي للتكثير ‏{‏إِنَّ فِى ذَلِكَ‏}‏ أي فيما ذكر من اهلاكنا للأمم الخالية العاتية أو في مساكنهم ‏{‏لاَيَاتٍ‏}‏ عظيمة في أنفسها كثيرة في عددها ‏{‏لاَ يَسْمَعُونَ‏}‏ هذه الآيات سماع تدبر واتعاظ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏27‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

‏{‏أَوَ لَمْ يَرَوْاْ‏}‏ الكلام فيه كالكلام في ‏{‏أَوَ لَمْ يَهْدِ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 26‏]‏ أي أعموا ولم يشاهدوا ‏{‏أَنَّا نَسُوقُ الماء‏}‏ بسوق السحاب الحامل له، وقيل‏:‏ نسوق نفس الماء بالسيول، وقيل‏:‏ بإجرائه في الأنهار ومن العيون ‏{‏إِلَى الارض الجرز‏}‏ أي التي جرز نباتها أي قطع اما لعدم الماء واما لأنه رعى وأزيل كما في الكشاف‏.‏

وفي مجمع البيان الأرض الجرز اليابسة التي ليس فيها نبات لانقطاع الأمطاء عنها من قولهم‏:‏ سيف جراز أي طاع لا يبقى شيئاً إلا قطعه وناقة جراز إذا كانت تأكل كل شيء فلا تبقى شيئاً إلا قطعته بفيها ورجل جروز أي أكول، قال الراجز‏:‏

خب جروز وإذا جاع بكى *** وقال الراغب‏:‏ الجرز منقطع النبات من أصله وأرض مجروزة أكل ما عليها، وفي مثل لا ترضى شانئة إلا بحروزة أي بالاستئصال، والجارز الشديد من السعال تصور منه معنى الجرز وهو القطع بالسيف اه، ويفهم مما قاله أن الجرز يطلق على ما انقطع نباته لكونه ليس من شأنه الإنبات كالسباخ وهو غير مناسب هنا لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً‏}‏ والظاهر أن المراد الأرض المتصفة بهذه الصفة أي أرض كانت، وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنها قرى بين اليمن والشام‏.‏

وأخرج هو وابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي شيبة عن ابن عباس أنها أرض باليمن، وإلى عدم التعيين ذهب مجاهد، أخرج عنه جماعة أنه قال‏:‏ الأرض الجرز هي التي لا تنبت وهي أبين ونحوها من الأرض وقرىء ‏{‏الجرز‏}‏ بسكون الراء، وضمير ‏{‏بِهِ‏}‏ للماء والكلام على ظاهره عند السلف الصالح وقالت الأشاعرة‏:‏ المراد فنخرج عنده، والزرع في الأصل مصدر وعبر به عن المرزوع والمراد به ما يخرج بالمطر مطلقاً فيشمل الشجر وغيره ولذا قال سبحانه‏:‏ ‏{‏تَأْكُلُ مِنْهُ‏}‏ أي من ذلك الزرع ‏{‏أنعامهم‏}‏ كالتبن والقصيل والورق وبعض الحبوب المخصوصة بها ‏{‏وَأَنفُسِهِمْ‏}‏ كالبقول والحبوب التي يقتاتها الإنسان، وفي البحر يجوز أن يراد بالزرع النبات المعروف وخص بالذكر تشريفاً له ولأنه أعظم ما يقصد من النبات، ويجوز أن يراد به النبات مطلقاً، وقدم الأنعام لأن انتفاعها مقصور على ذلك والإنسان قد يتغذى بغيره ولأن أكلها منه مقدم لأنها تأكله قبل أن يثمر ويخرج سنبله، وقيل ليرتقي من الأدنى إلى الأشرف وهو بنو آدم‏.‏

وقرأ أبو حيوة‏.‏ وأبو بكر في رواية ‏{‏يَأْكُلُ‏}‏ بالياء التحتية ‏{‏أَفَلاَ يُبْصِرُونَ‏}‏ أي ألا يبصرون فلا يبصرون ذلك ليستدلوا به على كمال قدرته تعالى وفضله عز وجل، وجعلت الفاصلة هنا ‏{‏يُبْصِرُونَ‏}‏ لأن ما قبله مرئى وفيما قبله ‏{‏يَسْمَعُونَ‏}‏ لأن ما قبله مسموع، وقيل‏:‏ ترقيا إلى الأعلى في الاتعاظ مبالغة في التذكير ورفع العذر‏.‏

وقرأ ابن مسعود ‏{‏تُبْصِرُونَ‏}‏ بالتاء الفوقية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏28‏]‏

‏{‏وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏28‏)‏‏}‏

‏{‏وَيَقُولُونَ‏}‏ على وجه التكذيب والاستهزاء ‏{‏متى هذا الفتح‏}‏ أي الفصل للخصومة بينكم وبيننا، وكأن هذا متعلق بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 25‏]‏ وقيل‏:‏ أي النصر علينا، ابن جرير‏.‏ وابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم إن لنا يوماً يوشك أن نستريح فيه وننتقم فيه فقال المشركون‏:‏ متى هذا الفتح الخ فنزلت ‏{‏وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح‏}‏ ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ أي في أن الله تعالى هو يفصل بين المحقين والمبطلين، وقيل‏:‏ في أن الله تعالى ينصركم علينا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏

‏{‏قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ‏}‏ تبكيتا لهم وتحقيقاً للحق ‏{‏يَوْمَ الفتح لاَ يَنفَعُ الذين كَفَرُواْ إيمانهم وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ‏}‏‏.‏

أخرج الفريابي‏.‏ وابن أبي شيبة‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ يوم الفتح يوم القيامة، وهو كما في البحر منصوب بلا ينفع، والمراد بالذين فكروا إما أولئك القائلون المستهزئون فالأظهار في مقام الاضمار لتسجيل كفرهم وبيان علة الحكم، وإما ما يعمهم وغيرهم وحينئذ يعلم حكم أولئك المستهزئين بطريق برهاني، والمراد من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ‏}‏ استمرار النفي، والظاهر أن الجملة عطف على ‏{‏لاَّ ينفَعُ‏}‏ الخ والقيد معتبر فيها، وظاهر سؤالهم بقولهم ‏{‏متى هذا الفتح‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 28‏]‏ يقتضي الجواب بتعيين اليوم المسؤول عنه إلا أنه لما كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح استعجالاً منهم على وجه التكذيب والاستهزاء أجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم فكأنه قيل لهم‏:‏ لا تستعجلوا به ولا تستهزؤوا فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا، وهذا قريب من الأسلوب الحكيم‏.‏

هذا وتفسير ‏{‏يَوْمَ الفتح‏}‏ بيوم القيامة ظاهر على القول بأن المراد بالفتح الفصل للخصومة فقد قال سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 25‏]‏ ولا يكاد يتسنى على القول بأن المراد به النصر على أولئك القائلين إذا كانوا عانين به النصر والغلبة عليهم في الدنيا كما هو ظاهر مما سمعت عن مجاهد، وعليه قيل‏:‏ المراد بيوم الفتح يوم بدر، وأخرج ذلك الحاكم وصححه‏.‏ والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل‏:‏ يوم فتح مكة، وحكى ذلك عن الحسن‏.‏ ومجاهد، واستشكل كلا القولين بأن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ الفتح لاَ يَنفَعُ الذين كَفَرُواْ إيمانهم‏}‏ ظاهر في عدم قبول الإيمان من الكافر يومئذ مع أنه آمن ناس يوم بدر فقيل منهم وكذا يوم فتح مكة‏.‏

وأجيب بأن الموصول على كل منهما عبارة عن المقتولين في ذلك اليوم على الكفر، فمعنى لا ينفعهم إيمانهم انهم لا إيمان لهم حتى ينفعهم فهو على حد قوله‏:‏

على لا حب لا يهتدي بمناره *** سواء أريد بهم قوم مخصوصون استهزؤوا أم لا وسواء عطف قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ‏}‏ على المقيد أو على المجموع فتأمل‏.‏

وتعقب بأن ذلك خلاف الظاهر، وأيضاً كون يوم الفتح يوم بدر بعيد عن كون السورة مكية وكذا كونه يوم فتح مكة، ويبعد هذا أيضاً قلة المقتولين في ذلك اليوم جدا تدبر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏

‏{‏فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

‏{‏فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ‏}‏ ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، وعن ابن عباس أن ذلك منسوخ بآية السيف، ولا يخفى أنه يحتمل أن المراد الاعراض عن مناظرتهم لعدم نفعها أو تخصيصه بوقت معين فلا يتعين النسخ‏.‏

‏{‏وانتظر‏}‏ النصرة عليهم وهلاكهم ‏{‏إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ‏}‏ قال الجمهور‏:‏ أي الغلبة عليكم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 2 5‏]‏ وقيل‏:‏ الأظهر أن يقال‏:‏ إنهم منتظرون هلاكهم كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 0 21‏]‏ الآية، ويقرب منه ما قيل‏:‏ وانتظر عذابنا لهم إنهم منتظرون أي هذا حكمهم وإن كانوا لا يشعرون فإن استعجالهم المذكور وعكوفهم على ما هم عليه من الكفر والمعاطي في حكم انتظارهم العذاب المترتب عليه لا محالة‏.‏ وقرأ اليماني ‏{‏مُنتَظِرُونَ‏}‏ بفتح الظاء اسم مفعول على معنى أنهم أحقاء أن ينتظر هلاكهم أو أن الملائكة عليهم السلام ينتظرونه والمراد أنهم هالكون لا محالة هذا‏.‏

ومن باب الإشارة‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 4‏]‏ فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي الالتفات إلى الأسباب والاعتماد عليها، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يُدَبّرُ الامر مِنَ السماء إِلَى الارض‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 5‏]‏ فيه إشارة إلى أن تدبير العباد عند تدبيره عز وجل لا أثر له فطوبى لمن رزق الرضا بتدبير الله تعالى واستغنى به عن تدبيره ‏{‏الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ‏}‏ فيه إرشاد إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يستقبح شيئاً من المخلوقات، وقد حكى أن نوحاً عليه السلام بصق على كلب اجرب فانطق الله تعالى الكلب فقال‏:‏ يا نوح اعبتني أم عبت خالقي فناح عليه السلام لذلك زماناً طويلاً فالأشياء كلها حسنة كل في بابه والتفاوت إضافي، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 7‏]‏ إلى آخر الآية بعد قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏الذى أَحْسَنَ‏}‏ الخ إشارة إلى التنقل في أطوار الحسن والعروج في معارجه فكم بين الطين والإنسان السميع البصير العالم فإن الإنسان مشكاة أنوار الذات والصفات والطين بالنسبة إليه كلا شيء ‏{‏إِنَّمَا يُؤْمِنُ بئاياتنا الذين إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 15‏]‏ إشارة إلى حال كاملي الإيمان وعلو شأن السجود والتسبيح والتحميد والتواضع لعظمته عز وجل ‏{‏تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً‏}‏ إشارة إلى شهرهم في مناجاة محبوبهم وملاحظة جلاله وجماله، وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَمِمَّا رزقناهم‏}‏ أي من المعارف وأنواع الفيوضات ‏{‏يُنفِقُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 61‏]‏ إشارة إلى تكميلهم للغير بعد كما لهم في أنفسهم وذكر القوم أن العذاب الأدنى الحرص على الدنيا‏.‏ والعذاب الأكبر العذاب على ذلك‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ الأول التعب في طلب الدنيا والثاني شتات السر، وقيل‏:‏ الأول حرمان المعرفة والثاني الاحتجاب عن مشاهدة المعروف، وقيل‏:‏ الأول الهوان والثاني الخذلان

‏{‏وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بئاياتنا يُوقِنُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 4 2‏]‏ فيه إشارة إلى ما ينبغي أن يكون المرشد عليه من الأوصاف وهو الصبر على مشاق العبادات وأنواع البليات وحبس النفس عن ملاذ الشهوات والإيقان بالآيات فمن يدعي الإرشاد وهو غير منصف بما ذكر فهو ضال مضلل ‏{‏فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وانتظر إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 0 3‏]‏ فيه إشارة إلى أنه ينبغي الأعراض عن المنكرين المستهزئين بالعارفين والسالكين إذا لم ينجع فيهم الإرشاد والنصيحة وإلى أنهم هالكون لا محالة فإن الإنكار الذي لا يعذر صاحبه سم قاتل وسهم هدفه المقاتل نعوذ بالله تعالى من الحور بعد الكور بحرمة حبيبه الأكرم صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏[‏سورة الأحزاب‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏1‏)‏‏}‏

يَا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّق الله‏}‏ ناداه جل وعلا بوصفه عليه الصلاة والسلام دون اسمه تعظيماً له وتفخيماً قال في الكشاف‏.‏ إنه تعالى جعل نداءه من بين الأنبياء عليهم السلام بالوصف كرامة له عليه الصلاة والسلام وتشريفاً وربأ بمحله وتنويهاً بفضله، وأوقع اسمه في الأخبار في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏}‏ ناداه جل وعلا بوصفه عليه الصلاة والسلام دون اسمه تعظيماً له وتفخيماً قال في الكشاف‏.‏ إنه تعالى جعل نداءه من بين الأنبياء عليهم السلام بالوصف كرامة له عليه الصلاة والسلام وتشريفاً وربأ بمحله وتنويهاً بفضله، وأوقع اسمه في الأخبار في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 9 2‏]‏ ‏{‏وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 4 14‏]‏ لتعليم الناس بأنه رسول وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به فلا تفاوت بين النداء والأخبار، ألا ترى إلى ما لم يقصد به التعليم والتلقين من الأخبار كيف ذكره تعالى بنحو ما ذكره في النداء كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 128‏]‏ ‏{‏وَقَالَ الرسول يارب‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 0 3‏]‏ ‏{‏النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 6‏]‏ إلى غير ذلك‏.‏

وتعقبه في الكشف بأن أمر التعليم والتلقين في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 9 2‏]‏ ظاهر أما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 144‏]‏ فلا، على أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَءامَنُواْ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 2‏]‏ ينقض ما بناه، نعم النداء يناسب التعظيم وربما يكون نداء سائر الأنبياء عليهم السلام في كتبهم أيضاً على نحو منه، وحكى في القرآن باسمائهم دفعاً للالباس، والاسبه أنه لما قل ذكره صلى الله عليه وسلم باسمه دل على أنه أعظم شأناً صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وفيه نظر‏.‏

واختار الطيبي طيب الله تعالى ثراه أن النداء المذكور هنا للاحتراس وجبر ما يوهمه الأمر والنهي كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَفَا الله عَنكَ لَّمّاً *أَذِنتَ لَهُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 43‏]‏ وظاهر سياق ما بعد أن المعنى بالأمر بالتقوى هو النبي صلى الله عليه وسلم لا أمته كما قيل في نظائره والمقصود الدوام والثبات عليها، وقيل‏:‏ الازدياد منها فإن لها باباً واسعاً وعرضاً عريضاً لا ينال مداه ‏{‏وَلاَ تُطِعِ الكافرين‏}‏ أي المجاهرين بالكفر ‏{‏والمنافقين‏}‏ المضمرين لذلك فيما يريدون من الباطل؛ أخرج ابن جرير عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة‏.‏ وشيبة بن ربيعة دعوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم وخوفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه فنزلت، وذكر الثعلبي‏.‏ والواحدي بغير إسناد أن أبا سفيان ابن حرب‏.‏ وعكرمة بن أبي جهل‏.‏ وأبا الأعور السلمي قدموا عليه عليه الصلاة والسلام في زمان الموادعة التي كانت بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم وقام معهم عبد الله بن أبي‏.‏

ومعتب بن قشير‏.‏ والجد بن قيس فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارفض ذكر آلهتنا وقل‏:‏ إنها تشفع وتنفع وندعك وربك فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهموا بقتلهم فنزلت، وقيل‏:‏ نزلت في ناس من ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يمتعهم باللات والعزى سنة قالوا‏:‏ لتعلم قريش منزلتنا منك ولا يبعد أن يكون المراد بالنهي الثبات على عدم الإطاعة، وذكره بعد الأمر بالتقوى المراد منه الثبات عليها على ما قيل من قبيل التخصيص بعد التعميم لاقتضاء المقام الاهتمام به، وقيل‏:‏ من قبيل التأكيد، وقيل‏:‏ متعلق كل من التقوى والإطاعة مغاير للآخر على ما روي الواحدي، والثعلبي، والمعنى اتق الله تعالى في نقض العهد ونبذ الموادعة ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا منك من رفض ذكر آلهتهم وقولك‏:‏ إنها تشفع وتنفع وكأنه إنما قدم الأمر بقتوى الله تعالى في نقض العهد لما أن المؤمنين قد هموا بما يقتضيه بخلاف الإطاعة المنهى عنها فإنها مما لم يهم بما يقتضيها أحد أصلاً فكان الاهتمام بالأمر أتم من الاهتمام بذلك النهي ‏{‏إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً‏}‏ مبالغاً في العلم والحكمة فيعلم الأشياء من المصالح والمفاسد فلا يأمرك إلا بما فيه مصلحة ولا ينهاك ألا عما فيه مفسدة ولا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة البالغة فالجملة تعليل للأمر والنهي مؤكد لوجوب الامتثال بها‏.‏

وقيل‏:‏ المعنى إن الله كان عليماً بمن يتقي فيجازيه بما يليق به حكيماً في هدى من شاؤوا ضلال من شاء فالجملة تسلية له صلى الله عليه وسلم، وليس بشيء، وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبّكَ‏}‏ عطف على ما تقدم من قبيل عطف العام على الخاص أي اتبع في كل ما تأتي وتذر من أمور الدين ما يوحى إليك من الآيات التي من جملتها هذه الآية الآمرة بتقوى الله تعالى الناهية عن إطاعة الكفرة والمنافقين، والتعرض لعنوان الربوبية لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر ‏{‏إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً‏}‏ قيل‏:‏ الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والجمع للتعظيم، وقال أبو البقاء‏:‏ إنما جاء بالجمع لأنه عني بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَتَّبِعُ مَا يِوحَى‏}‏ الخ اتبع أنت وأصحابك؛ وقيل‏:‏ للغائبين من الكفرة المنافقين وبطريق الالتفات‏.‏ ولا يخفى بعده‏.‏ نعم يجوز أن يكون للكل على ضرب من التغليب، وأياً ما كان فالجملة تعليل للأمر وتأكيد لموجبه فكأنه قيل على الأول‏:‏ إن الله تعالى يعلم بما تعمل فيرشدك إلى ما فيه الصلاح فلا بد من اتباع الوحي والعمل بمقتضاه حتماً، وعلى الثاني إن الله تعالى خبير بما يعمل الكفرة والمنافقون من الكيد والمكر فيأمرك سبحانه بما يدفعه فلا بد من اتباع ما يوحيه جل وعلا إليك، وعلى الثالث إن الله تعالى خبير بما تعمل ويعمل الكفرة والمنافقون فيرشدك إلى ما فيه صلاح حالك ويطلعك على كيدهم ومكرهم ويأمرك جل شأنه بما يدفع ذلك ويرده فلا بد من اتباع وحيه تعالى والعمل بموجبه‏.‏ وقرأ أبو عمرو ‏{‏يَعْمَلُونَ‏}‏ بياء الغيبة على أن الضمير للكفرة والمنافقين‏.‏

وجوز كونه عاماً فلا تغفل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏وَتَوَكَّلْ عَلَى الله‏}‏ أي فوض جميع أمورك إليه عز وجل ‏{‏وكفى بالله وَكِيلاً‏}‏ حافظاً موكولاً إليه الأمور، والإظهار في مقام الإضمار للتعظيم ولتستقل الجملة استقلال المثل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ‏}‏ أخرج أحمد‏.‏ والترمذي وحسنه‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ والحاكم وصححه‏.‏ وابن مردويه‏.‏ والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ قام النبي صلى الله عليه وسلم يوماً يصلي فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه ألا ترى أن له قلبين قلباً معكم وقلباً معهم فنزلت، وفي رواية عنه رضي الله تعالى عنه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فسها فيها فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون فأكثروا فقالوا‏:‏ إن له قلبين ألم تسمعوا إلى قوله وكلامه في الصلاة إن له قلباً معكم وقلباً مع أصحابه فنزلت، وقال مقاتل في تفسيره‏.‏ وإسماعيل بن أبي زياد الشامي‏.‏ وغيرهما‏:‏ نزلت في أبي معمر الفهري كان أهل مكة يقولون‏:‏ له قلبان من قوة حفظه وكانت العرب تزعم أن كل لبيب أريب له قلبان حقيقة، وأبو معمر هذا أشتهر بين أهل مكة بذي القلبين وهو على ما في الإصابة جميل بن أسيد مصغر الأسد، وقيل‏:‏ ابن أسد مكبراً وسماه ابن دريد عبد الله بن وهب، وقيل‏:‏ إن ذا القلبين هو جميل بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة ابن جمح الجمحي وهو المعنى بقوله‏:‏ وكيف ثوائى البيت وقد تقدم في تفسير سورة لقمان، والمعول على ما في الإصابة، وحكى أنه كان يقول‏:‏ إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد صلى الله عليه وسلم فروي أنه انهزم يوم بدر فمر بأبي سفيان وهو معلق احدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له أبو سفيان‏:‏ ما فعل الناس‏؟‏ فقال‏:‏ هم ما بين مقتول وهارب فقال له‏:‏ ما بال إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك‏؟‏ فقال‏:‏ ما ظننت إلا أنهما في رجلي فأكذب الله تعالى قوله وقولهم‏.‏

وعن الحسن أنه كان جماعة يقول الواحد منهم‏:‏ نفس تأمرني ونفس تنهاني فنزلت، والجعل بمعنى الخلق ومن سيف خطيب، والمراد ما خلق سبحانه لأحد أو لذي قلب من الحيوان مطلقاً قلبين فخصوص الرجل ليس بمقصود وتخصيصه بالذكر لكمال لزوم الحياة فيه فإذا لم يكن ذلك له فكيف بغيره من الإناث، وأما الصبيان فمآلهم إلى الرجولية، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فِى جَوْفِهِ‏}‏ للتأكيد والتصوير كالقلوب في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 46‏]‏ وذكر في بيان عدم جعله تعالى قلبين في جوف بناء على ما هو الظاهر من أن المراد بالقلب المضغة الصنوبرية أن النفس الناطقة وكذا الحيوانية لا بد لها من متعلق ومتعلقها هو الروح وهو جسم لطيف بخاري يتكون من ألطف أجزاء الأغذية لأن شد الأعصاب يبطل قوى الحس والحركة عما وراء موضع الشد مما لا يلي جهة الدماغ والشد لا يمنع إلا نفوذ الأجسام، والتجارب الطبية أيضاً شاهدة بذلك، وحيث أن النفس واحدة فلا بد من عضو واحد يكون تعلقها به أو لإثم بسائر الأعضاء بواسطته‏.‏

وقد ذكر غير واحد أن أول عضو يخلق هو القلب فإنه المجمع للروح فيجب أن يكون التعلق أولاً به ثم بواسطته بالدماغ والكبد وبسائر الأعضاء فمنبع القوى بأسرها منه وذلك يمنع التعدد إذ لو تعدد بأن كان هناك قلبان لزم أن يكون كل منهما أصلاً للقوى وغير أصل لها أو توارد علتين على معلول واحد، ولا يخفى على من له قلب أن هذا مع ابتنائه على مقدمات لا تكاد تثبت عند أكثر الإسلامين من السلف الصالح والخفل المتأخرين ولو بشق الأنفس أمر اقناعي لا برهان قطعي، على أن للفلسفي أيضاً له فيه مقالاً، وقد يفسر القلب بالنفس بناء على أن سبب النزول ما روى عن الحسن إطلاقاً للمعلق على المتعلق وقد بينوا وحدة النفس وأنه لا يجوز أن تتعلق نفسان فأكثر ببدن بما يطول ذكره، وللبحث فيه مجال فليراجع، ثم إن هذا التفسير بناء على أن سبب النزول ما ذكر غير متعين بل يجوز تفسير القلب عليه بما هو الظاهر المتبادر أيضاً، وحيث أن القلب متعلق النفس يكون نفي جعل القلبين دالاً على نفي النفسين فتدبر‏.‏

‏{‏وَمَا جَعَلَ أزواجكم اللائى تظاهرون مِنْهُنَّ أمهاتكم‏}‏ إبطال لما كان في الجاهلية من أجزاء أحكام الأمومة على المظاهر منها، والظاهر لغة مصدر ظاهر وهو مفاعلة من الظهر ويستعمل في معان مختلفة راجعة إليه معنى ولفظاً بحسب اختلاف الأغراض فيقال ظاهرته إذا قابلت ظهرك بظهره حقيقة وكذا إذا غايظته باعتبا رأن المغايظة تقتضي هذه المقابلة، وظاهرته إذا نصرته باعتبار أنه يقال‏:‏ قوى ظهره إذا نصره وظاهرت بين ثوبين إذا لبست أحدهما فوق الآخر على اعتبار جعل ما يلي بك كل منهما الآخر ظهراً للثوب، ويقال‏:‏ ظاهر من زوجته إذ قال لها أنت علي كظهر أمي نظير لبي إذ قال لبيك وأفف إذ قال أف، وكون لفظ الظهر في بعض هذه التراكيب مجازاً لا يمنع الاشتقاق منه ويكون المشتق مجازاً أيضاً والمراد منه هنا المعنى الأخير، وكان ذلك طلاقاً منهم‏.‏

وإنما عدي بمن مع أنه يتعدى بنفسه لتضمنه معنى التباعد ونحوه مما فيه معنى المجانبة ويتعدى بمن، والظهر في ذلك مجاز على ما قيل عن البطن لأنه إنما يركب البطن فقوله‏:‏ كظهر أمي بمعنى كبطنها بعلاقة المجاورة ولأنه عموده، قال ابن الهمام‏:‏ لكن لا يظهر ما هو الصارف عن الحقيقة من النكات، وقال الأزهري معناه‏:‏ خصوا الظهر لأنه محل الركوب والمرأة تركب إذا غشيت فهو كناية تلويحية انتقل من الظهر إلى المركوب ومنه إلى المغشي، والمعنى أنت محرمة على لا تركبين كما لا يركب ظهر الأم وقيل‏:‏ خص الظهر لأن إتيان المرأة من ظهرها في قبلها كان حراماً عندهم فإتيان أمه من ظهرها أحرم فكثر التغليظ، وقيل‏:‏ كنوا بالظهر عن البطن لأنهم يستقبحون ذكر الفرج وما يقرب منه سيما في الأم وما شبه بها، وليس بذاك، وهو في الشرع تشبيه الزوجة أو جزء منها شائع أو معبر به عن الكل بما لا يحل النظر إليه من المحرمة على التأبيد ولو برضاع أو صهرية وزاد في النهاية قيد الاتفاق ليخرج التشبيه بما لا يحل النظر إليه ممن اختلف في تحريمها كالبنت من الزنا وتحقيق الحق في ذلك في «فتح القدير»، وخص باسم الظهار تغليباً للظهر لأنه كان الأصل في استعمالهم وشرطه في المرأة كونها زوجة وفي الرجل كونه من أهل الكفارة، وركنه اللفظ المشتمل على ذلك التشبيه، وحكمه حرمة الوطء ودواعيه إلى وجود الكفارة، وتمام الكلام فيه في كتب الفروع، وسيأتي إن شاء الله تعالى بعض ذلك في محله‏.‏

وقرأ قالون‏.‏ وقنبل هنا وفي المجادلة والطلاق ‏{‏اللاء‏}‏ بالهمز من غير ياء، وورش بياء مختلسة الكسرة، والبزي‏.‏ وأبو عمرو ‏{‏اللاي‏}‏ بياء ساكنة بدلاً من الهمزة وهو بدل مسموع لا مقيس وهي لغة قريش، وقرأ أهل الكوفة غير عاصم ‏{‏ديارهم تظاهرون‏}‏ بفتح التاء وتخفيف الظاء وأصله تتظاهرون فحذفت إحدى التاءين‏.‏

وقرأ ابن عامر ‏{‏تظاهرون‏}‏ بفتح التاء وتشديد الظاء وأصله كما تقدم إلا أنه أدغمت التاء الثانية في الظاء‏.‏

وقرأ الحسن ‏{‏تُظْهِرُونَ‏}‏ بضم التاء وفتح الظاء المخففة وشد الهاء المكسورة مضارع ظهر بتشديد الهاء بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد، وقرأ ابن وثاب فيما نقل ابن عطية ‏{‏تُظْهِرُونَ‏}‏ بضم التاء وسكون الظاء وكسر الهاء مضارع أظهر، وقرأ هرون عن أبي عمرو و‏{‏تُظْهِرُونَ‏}‏ بفتح التاء والهاء وسكون الظاء مضارع ظهر بتخفيف الهاء، وفي مصحف أبي ‏{‏تتظهرون‏}‏ بتاءين ومعنى الكل واحد‏.‏

‏{‏أمهاتكم وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ‏}‏ إبطال لما كان في الجاهلية أيضاً وصدر من الإسلام من أنه إذا تبنى الرجل ولد غيره أجريت أحكام البنوة عليه، وقد تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة زيد بن حارثة‏.‏ والخطاب عامر بن ربيعة‏.‏ وأبو حذيفة مولاه سالماً إلى غير ذلك، وأخرج ابن أبي شيبة‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر عن مجاهد أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلَ‏}‏ الخ، نزلت في زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه‏.‏ و‏{‏أدعياء‏}‏ جمع دعى وهو الذي يدعى ابناً فهو فعيل بمعنى مفعول وقياسه أن يجمع على فعلي كجريح وجرحى لا على أفعلاء فإن الجمع عليه قياس فعيل المعتل اللام بمعنى فاعل كتقي وأتقياء فكأنه شبه به في اللفظ فحمل عليه وجمع جمعه كما قالوا في أسير وقتيل أسراء وقتلاء، وقيل‏:‏ إن هذا الجمع مقيس في المعتل مطلقاً، وفيه نظر‏.‏

‏{‏الاخر ذلكم‏}‏ قيل‏:‏ إشارة إلى ما يفهم من الجمل الثلاثة من أنه قد يكون قلبان في جوف والظهار والإدعاء‏.‏

وقيل‏:‏ إلى ما يفهم من الأخيرتين، وقيل‏:‏ إلى ما يفهم من الأخيرة ‏{‏قَوْلُكُم بأفواهكم‏}‏ فقط من غير أن يكون له مصداق وحقيقة في الواقع ونفس الأمر فإذن هو بمعزل عن القبول أو استتباع الأحكام كما زعمتم‏.‏

‏{‏والله يَقُولُ الحق‏}‏ الثابت المحقق في نفس الأمر ‏{‏وَهُوَ يَهْدِى السبيل‏}‏ أي سبيل الحق فدعو قولكم وخذوا بقوله عز وجل‏.‏

وقرأ قتادة على ما في «البحر» ‏{‏يَهْدِى‏}‏ بضم الياء وفتح الهاء وشد الدال، وفي «الكشاف» أنه قرأ ‏{‏وَهُوَ الذى يَهْدِى السبيل‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏ادعوهم لاِبَائِهِمْ‏}‏ أي انسبوهم إليهم وخصوهم بهم، أخرج الشيخان‏.‏ والترمذي‏.‏ والنسائي‏.‏ وغيرهم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ‏{‏ادعوهم لاِبَائِهِمْ‏}‏ الخ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنت زيد بن حارثة بن شراحيل، وكان من أمره رضي الله تعالى عنه على ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه كان في أخواله بني معن من بني ثعل من طي فأصيب في نهب من طي فقدم به سوق عكاظ وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوق بها فأوصته عمته خديجة أو يبتاع لها غلاماً ظريفاً عربياً إن قدر عليه فلما قدم وجد زيداً يباع فيها فأعجبه ظرفه فابتاعه فقدم به عليها وقال لها‏:‏ إني قد ابتعت لك غلاماً ظريفاً عربياً فإن أعجبك فخذيه وإلا فدعيه فإنه قد أعجبني فلما رأته خديجة فأخذته فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عندها فأعجب النبي عليه الصلاة والسلام ظرفه فاستوهبه منها‏.‏ فقالت أهبه لك فإن أردت عتقه فالولاء لي فأبى عليهما عليه الصلاة والسلام فأوهبته له إن شاء أعتق وإن شاء أملك قال‏:‏ فشب عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم إنه خرج في إبل لأبي طالب بأرض الشام فمر بأرض قومه فعرفه عمه فقام إليه فقال‏:‏ من أنت يا غلام‏؟‏ قال‏:‏ غلام من أهل مكة قال‏:‏ من أنفسهم‏؟‏ قال‏:‏ لا قال‏:‏ فحر أنت أم مملوك قال‏:‏ بل مملوك قال‏:‏ لمن‏؟‏ قال‏:‏ لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقال له‏:‏ أعرابي أنت أم عجمي‏؟‏ قال‏:‏ عربي قال‏:‏ ممن أصلك‏؟‏ قال‏:‏ من كلب قال‏:‏ من أي كلب‏؟‏ قال‏:‏ من بني عبد ود قال‏:‏ ويحك ابن من أنت‏؟‏ قال‏:‏ ابن حارثة بن شراحيل قال‏:‏ وأيت أصبت‏؟‏ قال‏:‏ في أخوالي قال‏:‏ ومن أخوالك‏؟‏ قال طي قال‏:‏ ما اسم أمك‏؟‏ قال‏:‏ سعدى فالتزمه وقال‏:‏ ابن حارثة ودعا أباه فقال‏:‏ يا حارثة هذا ابنك فأتاه حارثة فلما نظر إليه عرفه قال‏:‏ كيف صنع مولاك إليك‏؟‏ قال‏:‏ يؤثرني على أهله وولده فركب معه أبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له حارثة‏:‏ يا محمد أنتم أهل حرم الله تعالى وجيرانه وعند بيته تفكون العاني وتطعمون الأسير ابني عندك فأمنن علينا وأحسنت إلينا في فدائه فإنك ابن سيد قومه وإنا سنرفع إليك في الفداء ما أحببت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أعطيكم خيراً من ذلك قالوا‏:‏ وما هو‏؟‏ قال أخيره فإن اختاركم فخذوه بغير فداء وإن اختارني فكفوا عنه فقال‏:‏ جزاك الله تعالى خيراً فقد أحسنت فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا زيد أتعرف هؤلاء‏؟‏ قال‏:‏ نعم هذا أبي وعمي وأخي فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ فهم من قد عرفتهم فإن اخترتهم فاذهب معهم وإن اخترتني فأنا من تعلم قال له زيد‏:‏ ما أنا بمختار عليك أحداً أبداً أنت معي بمكان الوالد والعم قال أبوه وعمه‏:‏ أيا زيد أتختار العبودية‏؟‏ قال‏:‏ ما أنا بمفارق هذا الرجل فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصه عليه قال‏:‏ اشهدوا أنه حر وأنه ابني يرثني وأرثه فطابت نفس أبيه وعمه لما رأوا من كرامته عليه الصلاة والسلام فلم يزل في الجاهلية يدعى زيد بن محمد حتى نزل القرآن ‏{‏ادعوهم لاِبَائِهِمْ‏}‏ فدعى زيد بن حارثة، وفي بعض الروايات أن أباه سمع أنه بمكة فأتاه هو وعمه وأخوه فكان ما كان ‏{‏هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله‏}‏ تعليل للأمر والضمير لمصدر ادعوا كما في قوله تعالى‏:‏

‏{‏اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 8‏]‏، و‏{‏أَقْسَطُ‏}‏ أفعل تفضيل قصد به الزيادة مطلقاً من القسط بمعنى العدل والمراد به البالغ في الصدق فاندفع ما يتوهم من أن المقام يقتضي ذلك الصدق لا العدل أي دعاؤكم إياهم لآبائهم بالغ في العدل والصدق وزائد فيه في حكم الله تعالى وقضائه عز وجل‏.‏

وجوز أن يكون أفعل على ما هو الشائع فيه، والمعنى أعدل مما قالوه ويكون جعله ذا عدل مع أنه زور لا عدل فيه أصلاً على سبيل التهكم ‏{‏فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ‏}‏ أي تعرفوا ‏{‏ءابَاءهُمُ‏}‏ فتنسبوهم إليهم ‏{‏فَإِخوَانُكُمْ‏}‏ أي فهم إخوانكم ‏{‏فِى الدين ومواليكم‏}‏ أي وأولياؤكم فيه فادعوهم بالأخوة والمولوية بتأويلهما بالأخوة والولاية في الدين، وبهذا المعنى قيل لسام بعد نزول الآية مولى حذيفة وكان قد تبناه قبل، وقيل‏:‏ ‏{‏مواليكم‏}‏ أي بنو أعمامكم، وقيل‏:‏ معتقوكم ومخروركم وكأن دعاءهم بذلك لتطييب قلوبهم ولذا لم يؤمر بدعائهم بأسمائهم فقط‏.‏

‏{‏ومواليكم وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ‏}‏ أي إثم ‏{‏فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ‏}‏ أي فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل النهي‏.‏

‏{‏ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ‏}‏ أي ولكن الجناح والإثم فيما تعمدتموه بعد النهي على أن ‏{‏مَا‏}‏ في محل الجر عطفاً على ما من ‏{‏فِيمَا أَخْطَأْتُمْ‏}‏ وتعقب بأن المعطوف المجرور لا يفصل بينه وبين ما عطف عليه، ولذا قال سيبويه في قولهم ما مثل عبد الله يقول ذلك ولا أخيه‏:‏ إنه حذف المضاف من جهة المعطوف وأبقى المضاف إليه على إعرابه والأصل ولا مثل أخيه ليكون العطف على المرفوع‏.‏ وأجيب بالفرق بين ما هنا والمثال وإن لا فصل فيه لأن المعطوف هو الموصول مع صلته أعني ما تعمدت على مثله أعني ما أخطأتم أو لوكن ما تعمدتم فيه الجناح على أن ما في موضع رفع على الابتداء وخبره جمل مقدرة، ونسبة التعمد إلى القلوب على حد السنبة في قوله تعالى‏:‏

‏{‏فإنه آثم قلبه‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 3 28‏]‏ وكون المراد في الأول قبل النهي وفي الثاني بعده أخرجه الفريابي‏.‏ وابن أبي شيبة‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم عن مجاهد، وقيل‏:‏ كلا الأمرين بعد النهي والخطأ مقابل العمد، والمعنى لا إثم عليكم إذ قلتم لولد غيركم يا بني على سبيل الخطأ وعدم التعمد كأن سهوتهم أو سبق لسانكم ولكن الإثم عليكم إذا قلتم ذلك متعمدين‏.‏ وأخرج ابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال في الآية‏:‏ لو دعوت رجلاً لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس ولكن ما تعمدت وقصدت دعاءه لغير أبيه‏.‏

وجوز أن يراد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ‏}‏ الخ العفو عن الخطأ دون العمد على طريق العموم لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت‏:‏ ‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لست أخاف عليكم الخطأ ولكن أخاف عليكم العمد ‏"‏ وحديث ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏ قال عليه الصلاة والسلام وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه ‏"‏ ثم تناول لعمومه خطأ التبني وعمده، والجملة على تقديري الخصوص والعموم واردة على سبيل الاعتراض التذييلي تأكيداً لامتثال ما ندبوا إليه مع ادماج حكم مقصود في نفسه، وجعلها بعضهم عطفاً مؤولاً بجملة طلبية على معنى ادعوهم لآبائهم وهو أقسط لكم ولا تدعوهم لأنفسكم متعمدين فتاثموا على تقدير الخصوص وجملة مستطردة على تقدير العموم وتعقب بأنه تكلف عنه مندوحة، وظاهر الآية حرمة تعمد دعوة الإنسان لغير أبيه، ولعل ذلك فيما إذا كانت الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، وأما إذا لم تكن كذلك كما يقول الكبير للصغير على سبيل التحنن والشفقة يا ابني وكثيراً ما يقع ذلك فالظاهر عدم الحرمة‏.‏

وفي «حواشي الخفاجي» على تفسير البيضاوي النبوة وإن صح فيها التأويل كالأخوة لكن نهى عنها بالتشهبية بالكفرة والنهي للتنزيه انتهى، ولعله لم يرد بهذا النهي ما تدل عليه الآية المذكورة فإن ما تدل عليه نهي التحريم عن الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، والأولى أن يقال في تعليل النهي‏:‏ سداً لباب التشبه بالكفرة بالكلية، وهذا الذي ذكره الخفاجي من كراهة قول الشخص لولد غيره يا ابني حكاه لي من ارتضيه عن فتاوي ابن حجر الكبرى، وحكم التبني بقوله‏:‏ هو ابني إن كان عبداً للقائل العتق على كل حال ولا يثبت نسبه منه إلا إذا كان مجهول النسب وكان بحيث يولد مثله لمثله ولم يقر قبله بنسب من غيره، وعند الشافعي لا عبر بالتنبي فلا يفيد العتق ولا ثبوت النسب، وتحقيق ذلك في موضعه، ثم الظاهر أنه لا فرق إذا لم يعرف الأب بين أن يقال يا أخي وأن يقال يا مولاي في أن كلاً منهما مباح مطلقاً حينئذ لكن صرح بعضهم بحرمة أن يقال للفاسق يا مولاي لخبر في ذلك، وقيل‏:‏ لما أن فيه تعظيمه وهو حرام، ومقتضاه أن قول يا أخي إذا كان فيه تعظيم بأن كان من جليل الشأن حرام أيضاً، فلعل الدعاء لغير معروف الأب بما ذكر مخصوص بما إذا لم يكن فاسقاً ودليل التخصيص هو دليل حرمة تعظيم الفاسق فتدبر، وكذا الظاهر أنه لا فرق في أمر الدعوة بين كون المدعو ذكراً وكونه أنثى لكن لم نقف على وقوع النبني لإناث في الجاهلية والله تعالى أعلم ‏{‏وَكَانَ الله غَفُوراً‏}‏ فيغفر للعامد إذا تاب ‏{‏رَّحِيماً‏}‏ ولذا رفع سبحانه الجناح عن المخطىء، ويعلم من الآية أنه لا يجوز انتساب الشخص إلى غير أبيه، وعد ذلك بعضهم من الكبائر لما أخرج الشيخان‏.‏

وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام»

وأخرج الشيخان أيضاً «من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله تعالى والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله تعالى منه صرفاً ولا عدلاً» وأخرجا أيضاً «ليس منم رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلم إلا كفر»

وأخرج الطبراني في الصغير من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحديثه حسن قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر من تبرأ من نسب وأن دق أو ادعى نسباً لا يعرف» إلى غير ذلك من الأخبار، هذ ومناسبة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا جَعَلَ الله‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 4‏]‏ الخ لما قبله أنه شروع في ذلك شيء من الوحي الذي أمر صلى الله عليه وسلم في اتباعه كذا قيل، وقيل‏:‏ إنه تعالى لما أمر بالتقوى كان من حقها أن لا يكون في القلب تقوى غير الله تعالى فإن المرء ليس له قلبان يتقي بأحدهما الله تعالى وبالآخر غيره سبحانه إلا بصرف القلب عن جهة الله تعالى إلى غيره جل وعلا ولا يليق ذلك بمن يتقي الله تعالى حق تقاته، وعن أبي مسلم أنه متصل بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 1‏]‏ حيث جيء به للرد عليهم، والمعنى ليس لأحد قلبان يؤمن بأحدهما ويكفر بالآخر وإنما هو قلب واحد فأما أن يؤمن وإما أن يكفر، وقيل هو متصل بلا تطع وابتع والمعنى أنه لا يمكن الجمع بين اتباعين متضادين اتباع الوحي والقرآن واتباع أهل الكفر والطغيان فكنى عن ذلك بذكر القلبين لأن الاتباع يصدر عن الاعتقاد وهو من أفعال القلوب فكما لا يجمع قلبنان في جوف واحد لا يجمع اعتقادان متضادان في قلب واحد، وقيل‏:‏ هو متصل بقوله تعالى‏:‏

‏{‏وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 3‏]‏ من حيث أنه مشعر بوحدته عز وجل فكأنه قيل‏:‏ وتوكل على الله وكفى به تعالى وكيلاً فإنه سبحانه وتعالى وحده المدبر لأمور العالم، ثم أشار سبحاه وتعالى إلى أن أمر الرجل الواحد لا ينتظم ومعه قلبان فكيف تنتظم أمور العالم وله إلهان، وقيل‏:‏ إن ذاك مسوق للتنفير عن إطاعة الكفرة والمنافقين بحكاية أباطيلهم، وذكر أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا جَعَلَ‏}‏ الخ ضرب مثلاً للظهار والتبني أي كما لا يكو لرجل قلبان لا تكون المظاهرة أما والمتبني ابناً، وجعل المذكورات الثلاث بجملتها مثلاً فيما لا حقيقة له وارتضى ذلك غير واحد، وقال الطيبي‏:‏ إن هذا أنسب لنظم القرآن لأنه تعالى نسق المنفيات الثلاث عن ترتيب واحد، وجعل سبحانه قوله جل وعلا‏:‏ ‏{‏ذلكم‏}‏ فذلكة لها ثم حكم تعالى بأن ذلك قول لا حقيقة له، ثم ذيل سبحانه وتعالى الكل بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله يَقُولُ الحق وَهُوَ يَهْدِى السبيل‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 4‏]‏ وتعقبه في «الكشف» بأن سبب النزول وقوله سبحانه بعد التذييل ‏{‏ادعوهم لاِبَائِهِمْ‏}‏ الآية شاهدا صدق بأن الأول مضروب للتبني ثم إنهم ما كانوا يجعلون الأزواج أمهات بل كانوا يجعلون اللفظ طلاقاً فإدخاله في قرن مسألة التبني استطراداً هو الوجه لا أنه قول لا حقيقة له كالأول‏.‏

وانتصر الخفاجي للجماعة فقال‏:‏ لو كان مثلاً للتبني فقط لم يفصل منه، وكون القلبين لرجل وجعل المتبني ابناً في جميع الأحكام مما لا حقيقة له في نفس الأمر ولا في شرع ظاهر، وكذا جعل الأزواج كالأمهات في الحرمة المؤبدة مطلقاً من مخترعاتهم التي لم يستندوا فيها إلى مستند شرعي فلا حقيقة له أيضاً فما ادعاه غير وارد عليهم لا سيما مع مخالفته لما روى عنهم انتهى، ويد الله تعالى مع الجماعة، وبين الطيبي نظم الآيات من مفتتح السورة إلى هنا فقال‏:‏ إن الاستهلال بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها النبى اتق الله‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 1‏]‏ دال على أن الخطاب مشتمل على التبنية على أمر معتنى بشأنه لائح فيه معنى التعييج والإلهاب، ومن ثم عطف عليه ‏{‏وَلاَ تُطِعِ‏}‏ كما يعطف الخاص على العام وأردف النهي بالأمر على نحو قولك لا تطع من يخذلك وابتع ناصرك، ولا يبعد أن يسمى بالطرد والعكس، ثم أمر بالتوكل تشجيعاً على مخالفة أعداء الدين والالتجاء إلى حريم جلال الله تعالى ليكفيه شرورهم، ثم عقب سبحانه كلا من تلك الأوامر على سبيل التتميم والتذييل بما يطابقه، وعلل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين‏}‏ بقوله سبحانه وتعالى‏:‏

‏{‏إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 1‏]‏ تتميماً للارتداع أي اتق الله فيما تأتي وتذر في سرك وعلانيتك لأنه تعالى عليم بالأحوال كلها يجب أن يحذر من سخطه حكيم لا يحب متابعة حبيبه أعداءه، وعلل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبّكَ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 2‏]‏ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 2‏]‏ تتميماً أيضاً أي اتبع الحق ولا تتبع أهواءهم الباطلة وآراءهم الرائغة لأن الله تعالى يعلم عملك وعملهم فيكافىء كلاماً يستحقه، وذيل سبحانه وتعالى قوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وَتَوَكَّلْ عَلَى الله‏}‏ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكفى بالله وَكِيلاً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 3‏]‏ تقريراً وتوكيداً على منوال فلان ينطق والحق أبلج يعني من حق من يكون كافياً لكل الأمور أن تفوض الأمور إليه وتوكل عليه، وفصل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 4‏]‏ على سبيل الاستئناف تنبيهاً على بعض من أباطيلهم وتمحلاتهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكُمْ قَوْلُكُم‏}‏ الخ فذلكة لتلك الأقوال آذنت بأنها جديرة بأن يحكم عليها بالبطلان وحقيق بأن يذم قائلها فضلاً عن أن يطاع، ثم وصل تعالى‏:‏ ‏{‏والله يَقُولُ الحق‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 4‏]‏ الخ على هذه الفذلكة بجامع التضاد على منوال ما سبق في ‏{‏وَلاَ تُطِعِ‏}‏ وفضل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏السبيل ادعوهم لاِبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏النبى‏}‏ الخ وهلم جرا إلى آخر السورة تفصيلاً لقول الحق والاهتداء إلى السبيل القويم انتهى فتأمل ولا تغفل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏النبى أولى بالمؤمنين‏}‏ أي أحق وأقرب إليهم ‏{‏مّنْ أَنفُسِهِمْ‏}‏ أو أشد ولاية ونصرة لهم منها فإنه عليه الصلاة والسلام لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس فإنها أما أمارة بالسوء وحالها ظاهراً أولاً فقد تجعل بعض المصالح وتخفى عليها بعض المنافع وأطلقت الأولوية ليفيد الكلام أولويته عليه الصلاة والسلام في جميع الأمور ويعلم من كونه صلى الله عليه وسلم أولى بهم من أنفسهم كونه عليه الصلاة والسلام أولى بهم من كل من الناس، وقد أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرؤا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه ‏"‏ ولا يلزم عليه كون الأنفس هنا مثلها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 9 2‏]‏ لأن إفادة الآية المدعى على الظاهر ظاهرة أيضاً، وإذا كان صلى الله عليه وسلم بهذه المثابة في حق المؤمنين يجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم وحكمه عليه الصلاة والسلام عليهم أنفذ من حكمها وحقه آثر لديهم من حقوقها وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وسبب نزول الآية على ما قيل ما روى من أنه عليه الصلاة والسلام أراد غزوة تبوك فأمر الناس بالخروج فقال أناس منهم‏:‏ نستأذن آباءنا وأمهاتنا فنزلت، ووجه دلالتها على السبب أنه صلى الله عليه وسلم إذا كان أولى من أنفسهم فهو أولى من الأبوين بالطريق الأولى ولا حاجة إلى حمل أنفسهم عليه على خلاف المعنى المتبادر كما أشرنا إليه آنفاً ‏{‏وأزواجه أمهاتهم‏}‏ أي منزلات منزلة أمهاتهم في تحريم النكاح واستحقاق التعظيم وأما فيما عدا ذلك من النظر إليهن والخلوة بهن وإرثهن ونحو ذلك فهن كالأجنبيات، وفرع على هذ القسطلاني في المواهب أنه لا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين في الأصح، والطبرسي وهو شيعي أنه لا يقال لإخوانهن أخوال المؤمنين، ولا يخفى أنه يسر حسوا بارتغاء، وفي «المواهب» أن في جواز النظر إليهن وجهين أشهرهما المنع، ولكون وجه الشبه مجموع ما ذكر قالت عائشة رضي الله تعالى عنها لامرأة قالت لها يا أمه‏:‏ أنا أم رجالكم لا أم نسائكم أخرجه ابن سعد‏.‏ وابن المنذر‏.‏ والبيهقي في «سننه» عنها، ولا ينافي هذا استحقاق التعظيم منهن أيضاً‏.‏

وأخرج ابن سعد عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت أنا أم الرجال منكم والنساء وعليه يكون ما ذكر وجه الشبه بالنسبة إلى الرجال وأما بالنسبة إلى النساء فهو استحقاق التعظيم، والظاهر أن المراد من أزواجه كل من أطلق عليها أنها زوجة له صلى الله عليه وسلم من طلقها ومن لم يطلقها، وروى ذلك ابن أبي حاتم عن مقاتل فيثبت الحكم لكلهن وهو الذي نص عليه الإمام الشافعي وصححه في الروضة، وقيل‏:‏ لا يثبت الحكم لمن فارقها عليه الصلاة والسلام في الحياة كالمستعيذة والتي رأى بكشحها بياضاً، وصحح أمام الحرمين‏.‏

والرافعي في الصغير تحريم المدول بها فقط لما روى أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمن عمر رضي الله تعالى عنه فهم عمر برجمه فأخبره أنها لم تكن مدخولاً بها فكف، وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه هم برجمها فقالت له‏:‏ ولم هذا‏؟‏ وما ضرب على حجاب ولا سميت للمسلمين أما فكف عنها، وذكر في «المواهب» أن في حل من اختارت منهن الدنيا للأزواج طريقين‏.‏ أحدهما‏:‏ طرد الخلاف والثاني‏:‏ القطع بالحل، واختار هذا الإمام والغزالي، وحكى القول بأن المطلقة لا يثبت لها هذا الحكم عن الشيعة، وقد رأيت في بعض كتبهم نفي الأمومة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالوا‏:‏ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فوض إلى علي كرم الله تعالى وجهه أن يبقى من يشاء من أزواجه ويطلق من يشاء منهن بعد وفاته وكالة عنه عليه الصلاة والسلام وقد طلق رضي الله تعالى عنه عائشة يوم الجمل فخرجت عن الأزواج ولم يبق لها حكمهن وبعد أن كتبت هذا اتفق لي أن نظرت في كتاب ألف سليمان بن عبد الله البحراتي عليه من الله تعالى ما يستحق في مثالب جمع من الصحابة حاشى رضي الله تعالى عنهم فرأيت ما نصه‏:‏

روى أبو منصور أحد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن سعد بن عبد الله أنه سأل القائم المنتظر وهو طفل في حياة أبيه فقال له يا مولانا وابن مولانا روى لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل طلاق نسائه إلى أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه حتى أنه بعث في يوم الجمل رسولاً إلى عائشة وقال‏:‏ إنك أدخلت الهلاك على الإسلام وأهله بالغش الذي حصل منك وأوردت أولادك في موضع الهلاك بالجهالة فإن امتنعت وإلا طلقتك فأخبرنا يا مولانا عن معنى الطلاق الذي فوض حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمير المؤمنين فقال‏:‏ إن الله تقدس اسمه عظم شأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم فخصهن بشرف الأمهات فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ يا أبا الحسن إن هذا الشرف باق ما دمنا على طاعة الله تعالى فأيتهن عصت الله تعالى بعدي بالخروج عليك فطلقها من الأزواج وأسقطها من شرف أمهات المؤمنين، ثم قال‏:‏ وروى الطبرسي أيضاً في «الاحتجاج» عن الباقر أنه قال‏:‏ لما كان يوم الجمل وقد رشق هودج عائشة بالنبل قال علي كرم الله تعالى وجهه‏:‏ والله ما أراني إلا مطلقها فأنشد الله تعالى رجلاً سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي لما قام فشهد فقام ثلاثة عشر رجلاً فشهدوا بذلك الحديث، ورأيت في بعض الأخبار التي لا تحضرني الآن ما هو صريح في وقوع الطلاق اه ما قاله البحراني عامله الله تعالى بعده‏.‏

وهذا لعمري من السفاهة والوقاحة والجسارة على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بمكان وبطلانه أظهر من أن يخفى وركاكة ألفاظه تنادي على كذبه بأعلى صوت ولا أظنه قولاً مرضياً عند من له أدنى عقل منهم فلعن الله تعالى من اختلقه وكذا من يعتقده، وأخرج الفريابي‏.‏ والحاكم‏.‏ وابن مردويه‏.‏ والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس أنه كان يقرأ‏:‏ ‏{‏النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ *مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأزواجه أمهاتهم‏}‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة أنه قال‏:‏ كان في الحرف الأول ‏{‏النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏}‏ وفي مصحف أبي رضي الله تعالى عنه كما روى عبد الرزاق‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وغيرهما ‏{‏النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأزواجه أمهاتهم‏}‏ وإطلاق الأب عليه صلى الله عليه وسلم لأنه سبب للحياة الأبدية كما أن الأب سبب للحياة أيضاً بل هو عليه الصلاة والسلام أحق بالأبوة منه وعن مجاهد كل نبي أب لأمته، ومن هنا قيل في قول لوط ‏{‏هؤلاء بناتي‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 78‏]‏ أنه أراد المؤمنات ووجه ما ذكر، ويلزم من هذه الأبوة على ماقيل إخوة المؤمنين‏.‏

ويعمل مما روى عن مجاهد أن الأبوة ليست من خصوصياته عليه الصلاة والسلام وهذا ليس كأمومة أزواجه فإنها على ما في «المواهب» من الخصوصيات فلا يحرم نكاح أزواج من عداه صلى الله عليه وسلم من الأنبياء عليهم السلام من بعدهم على أحد من أممهم ‏{‏وَأُوْلُواْ الارحام‏}‏ أي ذوو القرابات الشاملون للعصبات لا ما يقابلهم ‏{‏بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ‏}‏ في النفع بميراث وغيره من النفع المالي أو في التوارث ويؤيده سبب النزول الآتي ذكره ‏{‏فِى كتاب الله‏}‏ أي فيما كتبه في اللوح أو فيما أنزله وهي آية المواريث أو هذه الآية أو فيما كتبه سبحانه وفرضه وقضاه ‏{‏مِنَ المؤمنين والمهاجرين‏}‏ صلة لأولى فمدخول ‏{‏مِنْ‏}‏ هو المفضل عليه وهي ابتدائية مثلها في قولك‏:‏ زيد أفضل من عمرو أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى في كل نفع أو بالميراث من المؤمنين بحق الدين ومن المهاجرين بحق الهجرة، وقال الزمخشري‏:‏ يجوز أن يكون بياناً لأولو الأرحام أي الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، والأول هو الظاهر؛ وكان في المدينة توارث بالهجرة وبالموالاة في الدين فنسخ ذلك بآية آخر الأنفال أو بهذه الآية، وقيل‏:‏ بالإجماع وأرادوا كشفه عن الناسخ وإلا فهو لا يكون ناسخاً كما لا يخفى، ورفع ‏{‏بَعْضُهُمْ‏}‏ يجوز أن يكون على البدلية وأن يكون على الابتداء و‏{‏فِى كتاب‏}‏ متعلق بأولى ويجوز أن يكون حالاً والعامل فيه معنى ‏{‏أُوْلِى‏}‏ ولا يجوز على ما قال أبو البقاء أن يكون حالاً من ‏{‏أُوْلُو‏}‏ للفصل بالخبر ولأنه لا عامل إذاً، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إلى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً‏}‏ إما استثناء متصل من أعم ما تقدر الأولوية فيه من النفع كأنه قيل‏:‏ القريب أولى من الأجنبي من المؤمنين والمهاجرين في كل نفسع من ميراث وصدقة وهدية ونحو ذلك إلا في الوصية فإنها المرادة بالمعروف فالأجنبي أحق بها من القريب الوارث فإنها لا تصح لوارث، وإما استثناء منقطع بناءً على أن المراد بما فيه الأولوية هو التوارث فيكون الاستثناء من خلاف الجنس المدلول عليه بفحوى الكلام كأنه قيل‏:‏ لا تورثوا غير أولي الأرحام لكن فعلكم إلى أوليائكم من المؤمنين والمهاجرين الأجانب معروفاً وهو أن توصوا لمن أحببتم منهم بشيء جائز فيكون ذلك له بالوصية لا بالميراث، ويجوز أن يكون المعروف عاماً لما عدا الميراث، والمتبادر إلى الذهن انقطاع الاستثناء واقتصر عليه أبو البقاء‏.‏

ومكي‏.‏ وكذا الطبرسي وجعل المصدر مبتدأ محذوف الخبر كما أشرنا إليه‏.‏

وتفسير الأولياء بمن كان من المؤمنين والمهاجرين هو الذي يقتضيه السياق فهو من وضع الظاهر موضع الضمير بناءً على أن ‏{‏مِنْ‏}‏ فيما تقدم للابتداء لا للبيان، وأخرج ابن جرير‏.‏ وغيره عن مجاهد تفسيره بالذين والى بينهم النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، وأخرج ابن المنذر‏.‏ وابن جرير‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ عن محمد بن الحنفية أنه قال‏:‏ نزلت هذه الآية في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني، وأخرجوا عن قتادة أنه قال‏:‏ الأولياء القرابة من أهل الشرك والمعروف الوصية؛ وحكي في «البحر» عن جماعة منهم الحسن‏.‏ وعطاء أن الأولياء يشمل القريب والأجنبي المؤمن والكافر وأن المعروف أعم من الوصية‏.‏ وقد أجازها للكافر القريب وكذا الأجنبي جماعة من الفقهاء والإمامية يجوزونها لبعض ذوي القرابة الكفار وهم الوالدان والولد لا غير، والنهي عن اتخاذ الكفار أولياء لا يقتضي النهي عن الإحسان إليهم والبر لهم‏.‏ وعدى ‏{‏تَفْعَلُواْ‏}‏ بإلى لتضمنه معنى الإيصال والإسداء كأنه قيل‏:‏ إلا أن تفعلوا مسدين إلى أوليائكم معروفاً ‏{‏كَانَ ذَلِكَ‏}‏ أي ما ذكر في الآيتين أعني ‏{‏ادعوهم لاِبَائِهِمْ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 5‏]‏ و‏{‏النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏}‏ وجوز أن يكون إشارة إلى ما سبق من أول السورة إلى هنا أو إلى ما بعد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 4‏]‏ أو إلى ما ذكر في الآية الأخيرة وفيه بحث ‏{‏فِى الكتاب‏}‏ أي في اللوح أو القرآن وقيل في التوراة ‏{‏مَسْطُورًا‏}‏ أي مثبتاً بالإسطار وعن قتادة أنه قال في بعض القراءات‏:‏ كان ذلك عند الله مكتوباً أن لا يرث المشرك المؤمن فلا تغفل‏.‏